السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

366

مفاتيح الأصول

يكون دليلا إذا حصل معه الظن بصدق الراوي وضبطه فإذا لم يعلم ترجيح ذكره على نسيانه لم يغلب على الظن مقتضاه فلا يكون دليلا لوقوع الشّك في كونه دليلا لا في أمر خارج عنه ويقين الطهارة السابقة لا يقدح فيه شكّ الحدث الطاري فيرمح طرف الطَّهارة فلا يبقى معه الشّك في الدوام حتى أنه لو بقي معه الشك مع النظر إلى الأصل لما حكم بالطَّهارة انتهى ويمكن استفادة هذا من المنية وغيرها والمسألة محلّ إشكال من إطلاق مفهوم آية النبأ المقتضي لعدم اشتراط ذلك وأنه لو كان حصول الظن شرطا للزم عدم حجية الأخبار الصّحيحة الَّتي جمع رواتها الصفات المتقدّمة إليها الإشارة حيث يعارضها الظنون القوية في الغاية الَّتي ثبت عدم حجيتها والَّتي لم يثبت حجيّتها والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلارتفاع الظن من تلك الصحاح حينئذ لامتناع اجتماع الظنين المتضادين وعدم الحجية لا يمنع من إفادة الظن قطعا فيكون شرط حجية تلك الصّحاح مفقودا فلا تكون حجة لأن فقد الشرط يستلزم فقد المشروط ومن الأصل والعمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها صورة حصول الظن ولا دليل على خروج محل البحث فيبقى مندرجا تحتها وأما آية النبأ فإطلاق مفهومها لا ينصرف إلا إلى صورة الظن كما لا يخفى وكذلك الأدلة الدالة على حجية خبر الواحد من الإجماع والأدلة العقلية والأخبار المتواترة لا تفيد إلا حجيّة الخبر المفيد للظن فإذن الاحتمال الأوّل هو الأقرب وفاقا لمن تقدم إليه الإشارة إلا إذا كان فقد الظن باعتبار وجود الظن الأقوى الَّذي ثبت عدم حجيته والذي لم يثبت حجيّته فإنه يجب حينئذ العمل بالخبر الذي جمع راويه تلك الصّفات وكان من شأنه الظن لولا المعارض فإن حجية هذا متفق عليه فتأمل مفتاح هل يجوز العمل بخبر الواحد العدل مطلقا ولو لم يكن له موافق فيما يرويه ولم يعضده مقطوع من القرآن أو سنة متواترة ولا عمل بعض الصّحابة ولم يكن منتشرا ومشهورا بينهم أو لا اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه يجوز العمل به مطلقا وهو للنهاية والتهذيب والمنية والمختصر وشرحه والإحكام والمنخول وبالجملة عليه المعظم الثاني ما أشار إليه في النهاية والمنية والإحكام فقالوا ذهب أبو علي الجبائي إلى أنه يشترط في الراوي الكثرة فلا تقبل رواية العدل الواحد عنده إلا إذا عضده ظاهر أو عمل بعض الصّحابة أو اجتهاد أو كان مشتهرا بينهم ويقبل رواية العدلين مطلقا وزاد في الأوّلين فقالا حكى القاضي عبد الجبّار أنه لا يقبل في الزّنا إلا خبر أربعة كالشهادة عليه انتهى والمعتمد عندي هو القول الأول الَّذي عليه المعظم ولهم وجوه منها ظهور اتفاق أصحابنا القائلين بحجية خبر الواحد عليه ومنها تضمن جملة من الكتب دعوى الإجماع عليه ففي النهاية ولأن الصّحابة عملوا عليه وعمل علي عليه السلام على خبر مقداد وأبو بكر على خبر بلال وعمر على خبر جمل بن مالك وعلى خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس وعمل الصّحابة على خبر عائشة في التقاء الختانين ولم ينكره أحد فكان إجماعا لا يقال إنما قبلوا ما اعتضد بالاجتهاد لأنا نقول إنهم كانوا يتركون الاجتهاد لهذه الأخبار كما قال عمر لولا هذا لقضينا فيه برأينا وكانوا لا يرون بالمخابرة بأسا حتى روى لهم رافع بن خديج نهى النّبي صلى الله عليه وآله عنها وفي التهذيب لا يشترط في الرّواية تعدد الرّاوي فيقبل خبر الواحد وإن لم يعتضد بظاهر أو عمل بعض الأصحاب أو باجتهاد أو انتشار وإن كان في الزّنا عمل الصّحابة بالواحد من دون ذلك وفي المنية بعد نقل القول الثاني والحق خلافه لأن الصّحابة عملوا على خبر الواحد المجرّد عن الأمور المذكورة كما تقدم وإجماعهم حجة لما مرّ وفي حاشية المختصر والدليل على عدم اعتبار العدد والجواب عن الأسولة الواردة عليه من حجج المنكرين ما تقدم في خبر الواحد فمن جانبنا عمل الصحابة والأسولة عليه بأجوبتها وإنفاذه الآحاد لتبليغ الأحكام ومن جانبهم توقفهم في قبول المنفرد ونحو ولا تقف إلى آخره وفي المنخول ذهب الجبائي إلى أنه لا يعمل إلا بما ينقله رجلان ثم شرط عند تكرر العصور أن يتحمل قول كلّ رجل رجلا وهكذا إلى حيث ينتهي وهذا استئصال لهذه القاعدة على المذاق لحديث عصرنا ومعتمدنا نقل الصّحابة واكتفائهم بالواحد ومنها ما تمسّك به في النهاية فقال لنا إن خبر الواحد العدل يتضمّن العمل به دفع ضرر مظنون فيكون واجبا ومنها ما تمسّك به في التهذيب والمنية من إطلاق قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره لا يقال يعارضه العمومات المانعة من العمل بغير العلم من الكتاب والسنّة والتعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه ومن الظاهر أن وجوه الترجيح مع هذه العمومات لأنا نقول لا نسلم ذلك بل الترجيح مع إطلاق آية النبأ لاعتضاده بما تقدم وبما تقرّر عندنا من أصالة حجية الظن وفي النهاية والمنية أنّ اللَّه تعالى أمر بالتمسّك بخبر الواحد وحينئذ يكون التمسّك معلوما لا مظنونا فلا يندرج تحت النّهي عن العمل بالظن انتهى وفيه نظر كما لا يخفى ولا يقال ما دلّ على عدم قبول الشاهد الواحد العدل يقتضي عدم قبول خبر العدل الواحد لأن الشهادة تقتضي شرعا خاصّا والخبر يقتضي شرعا عامّا فإذا لم يقبل الواحد في الأول القبول في الثّاني أولى لأنا نقول لا نسلم الأولوية هنا كما أشار إليه في النهاية والمنية فقال بعد الإشارة إلى احتجاج الخصم بالأولوية المذكورة الجواب أنه منقوض بالأمور المعتبرة في الشهادة دون الرّواية كالحرية والذكورة والبصر وغيرها مفتاح قال في النهاية والتهذيب والمنية لا يعتبر تعدّد روايته وكثرتها ولا يكون ذلك شرطا فلو لم يرو إلا خبرا واحدا قبل وهو جيّد وقد صرّح به في المختصر وشرحه أيضا واحتج عليه في الثالث بعموم ما دلّ على حجية خبر الواحد ويعضده ظهور الاتفاق عليه وقال فيه أيضا كما في النهاية والتهذيب أما لو أكثر في الحديث مع قلَّة مخالطة أهله فإن كان بحيث يضبط مثل ما رواه في مثل زمانه ومخالطته أرباب الحديث قبلت روايته وإلا توجّه الطعن إلى كلّ رواياته وهو جيّد وقال في النهاية وإذا عرف من الرّاوي التساهل في أمر حديث الرّسول صلى الله عليه وآله لم يقبل خبره إجماعا ولو عرف التساهل في غيره والاحتياط في خبر الرّسول صلى الله عليه وآله فإن نقل فيما تساهل فيه الكذب وأصرّ عليه لم يقبل روايته